محمد أبو زهرة

4546

زهرة التفاسير

وهذا كناية عن أن الهلاك يعم الفريقين ، وأنه لا منجاة لأحدهما الذين ضلوا ومن أضلوهم ، وهذا كقوله تعالى : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا ( 82 ) [ مريم ] ، وقال تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ . . . ( 28 ) [ يونس ] ويقول سبحانه في حال المجرمين يوم القيامة : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ( 53 ) . عاين المجرمون النار بأهوالها ، وأنهم لا طاقة لهم بها ، وكأنهم رأوا أعمالهم قد استعلت بهم فكانت نارا ، وأظهر في موضع الإضمار إذ إنه سبحانه بدل أن يقول : ورأوا النار وعود الضمير ليس ببعيد ، قال عزّ من قائل : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ لبيان وصفهم وهو الإجرام ، وأنه سبب استحقاقهم ، وأنهم يحسون باستحقاقهم لأنهم أجرموا ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها ، أي مخالطوها وملابسوها ، فالمواقعة الملابسة التي لا ينفصلون عنها ، والفاء هي فاء الترتيب والسببية ، أي بسبب حالهم من الإجرام اعتقدوا أنهم مواقعوها ، والظن هنا اليقين ولكن لم عبر بالظن دون العلم واليقين ؛ ولذلك لأنهم إذ رأوا هولها وشدتها كانوا يظنون ولا يستيقنون ليوجدوا لأنفسهم نافذة ولو كوّة لاحتمال النجاة ، ويصور هذا المعنى قوله تعالى : وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً ، أي لم يجدوا متحولا عنها وأنها آتية لا ريب فيها . ولقد قال تعالى بعد أن بين حالهم التي آلوا إليها ، أنه قدم لهم أسباب الهداية في إبانها ، فأعرضوا عنها وأثاروا الثارات حولها ، فقال تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 ) . الصرف الرد من حال إلى حال ، والتصريف هو التحويل من حال إلى حال ، وتصريف القرآن الكريم هو ما اشتمل عليه من أساليب البيان والموعظة